الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

222

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

وبعبارة أخرى : أن الآثار المترتبة على العبد مغفرة وعقابا إنما هي على الحالات الكائنة في القلب بعد المعصية ، ثم إن تلك الحالات قد تكون عن منشإ خارجي كالنظر إلى الأجنبية مثلا الذي هو معصيته عملا ، وقد تكون عن تصوّر تلك الحالة وإيجادها في القلب ، وإن لم يكن لها منشأ من الخارج ، فإذا تصوّرها أحد بحيث أثر في قلبه ، فيكون باكيا متضرعا كمن عمل تلك المعصية عملا خارجيا ، وهذه الحالة هي المطلوبة في مقام المناجاة والتضرع والبكاء ، فلا بدّ من تحصيلها بعلاج . ولعله إليه يشير ما في الكافي ( 1 ) ، بإسناده عن إسحاق بن عمار ، قال : قلت لأبي عبد اللَّه عليه السّلام : أكون أدعو فاشتهي البكاء ولا يجيئني ، وربما ذكرت بعض من مات من أهلي فأرقّ وأبكي ، فهل يجوز ذلك ؟ فقال : نعم فتذكرهم فإذا رققت فابك وادع ربّك تبارك وتعالى . وفيه عن عنبسة العابد قال : قال أبو عبد اللَّه عليه السّلام : " إن لم يكن بك بكاء فتباك " . والتباكي حمل النفس على البكاء ، والسعي في تحصيله ولو بعلاج ، وإن لم يكن له منشأ خارجي منه ، بل لا يبعد أن بكاء أغلب أولياء اللَّه يكون هكذا ، وحينئذ نقول فبكاء الأئمة عليهم السّلام وإقرارهم بالمعاصي يحكي عن إيجاد هذه الحالة في قلوبهم الشريفة ، وإن يكن منشأها من العمل الخارجي صادرا منهم ، لكي يتضرعوا لديه تعالى ، فبهذا الأنين الذي هو أحبّ عنده تعالى من التسبيح فهم عليهم السّلام ينزّلون أنفسهم منزلة العاملين بتلك المعاصي ، فيتصوّرون تلك الحالات التي تكون لهم ، والتي أشرنا إليها فيبكون ويتضرعون . ومن المعلوم أنّهم عالمون بتلك الحالات من العصاة غيرهم ، لأنهم أعطوا العلم بحقائق الأشياء كلها ، فهم عليهم السّلام بمجرد تصوّر تلك الحالات يتضرّعون ، فيرون

--> ( 1 ) الكافي ج 2 ص 483 . .